ابن أبي الحديد
20
شرح نهج البلاغة
ومن العلوم : علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافه أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه ، وأملى على أبى الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله ، من جملتها الكلام كله ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف . ومن جملتها : تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة ، وتقسيم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم ( 1 ) ، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات ، لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ، ولا تنهض بهذا الاستنباط . وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها ( 2 ) . وأما الشجاعة : فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فر قط ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلا قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية ، وفي الحديث " كانت ضرباته وترا " ، ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك ، فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم ! أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ! أراك طمعت في إمارة الشام بعدي ! وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر ، قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه : لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد ( 3 )
--> ( 1 ) معجم الأدباء 14 : 42 - 50 ( 2 ) اقتباس من قول سحيم بن وثيل الرياحي : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني وابن جلا ، أي الواضح الامر ، وطلاع الثنايا : كناية عن السمو إلى معالي الأمور ، والثنايا في الأصل : جمع ثنية ، وهي الطريق في الجبل . وانظر اللسان 18 : 165 . ( 3 ) من أبيات ذكرها صاحب اللسان 8 : 395 ، وروايته : لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته ما أقام الروح في جسدي لكن قاتله من لا يعاب به * وكان يدعى قديما بيضة البلد